محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
250
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ثمّ اختلفوا من وجه آخر ، فقال الأكثرون : إنّهم يخلفون الجنّ الذين كانوا سكّان الأرض ، والمعنى أنّي سأجعل فيها من يخلف الجنّ فيها ويسكنها ويعمرها ، وهذا قول أبي العالية ومجاهد وعبد اللّه بن عمر وابن عبّاس في رواية الكلبي وعطاء وقول مقاتل ومعنى قول الضحّاك . قال ابن عبّاس في رواية عطاء : جعل اللّه تعالى آدم وذرّيّته خلفاء الجنّ الذي أفسدوا في الأرض فأهلكوا ؛ وقال الكلبي وغيره : إنّ اللّه تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجنّ ، فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجنّ الأرض ؛ فغبروا دهرا طويلا ، ثمّ ظهر فيهم الحسد والبغي ؛ فاقتتلوا وأفسدوا ؛ فبعث اللّه - عزّ وجلّ - إليهم جندا من الملائكة يقال لهم الجنّ ، رأسهم إبليس ، وهم خزّان الجنان ، اشتقّ لهم اسم من الجنّة ؛ فهبطوا إلى الأرض ، وطردوا الجنّ عن وجهها ، وألحقوهم شعوب الجبال وجزائر البحور ، وسكنوا الأرض ، وخفّف اللّه العبادة عنهم ؛ فأحبّوا البقاء في الأرض لذلك ؛ وأعطى اللّه تعالى إبليس ملك السماء الدنيا وخزانة الجنان وملك الأرض ؛ وكان يعبد اللّه تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنّة . فلمّا رأى ذلك دخله الكبر والعجب وقال في نفسه ما آتاني اللّه هذا الملك إلّا لأنّي أكرم الملائكة عليه وأعظمهم منزلة لديه ؛ فلمّا ظهر الكبر جاء العزل . قال اللّه تعالى [ له ] ولجنده : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فلمّا قال لهم ذلك كرهوا ؛ لأنّهم كانوا أهون الملائكة عبادة ، قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها بالمعاني ؛ وإنّما أخبرهم بذلك بشارة لهم بآدم ولم يكن ذلك على جهة المشاورة ( 107 ب ) بل كان ذلك ابتلاء لهم وفتنة . وقال آخرون : إنّ الأرض لم يكن فيها سكّان ، وإنّ اللّه تعالى قال للملائكة : إنّي جاعل في الأرض خليفة يخلف بعضهم بعضا ، وهم ذرّيّة آدم يخلفون آدم ؛ وهذا مرويّ عن الحسن ؛ أخبر ملائكته - عليهم السلام - بعد أن خلقهم وخلق السماوات والأرض أنّه جاعل في الأرض خليفة من ذرّيّة آدم - صلوات اللّه عليه - وأمما ، وأنّهم يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض ، وكان هذا من اللّه تعالى محنة للملائكة ؛ فأكبروا أن يكون في الخلق من يعصي اللّه ؛ فحملهم ذلك على أن قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها . فلمّا أعلمهم أنّه أعلم بما يفعل وأنّه يعلم ما لا يعلمون وأراهم أنّهم إنّما يعلمون ما علّمهم اللّه ، رجعوا مسبّحين له - جلّ وعزّ - معترفين بأنّهم لا يعلمون إلّا ما علّمهم اللّه .